هذا المقال نشر سابقاً في جريدة الشرق القطرية (الرابط)
في نهاية المقال ملف PDF حول الجرعة المُجازة وكيف يتحول المعلم من قادر إلى فاعل، يمكنكم تحميله مجاناً
تخيل ممرضة تقف بباب مريض، تحمل جرعة لقاح جاهزة تماماً، تعرف متى تُعطى وكيف، وهي أكيدة من نجاعة هذه الجرعة وأهميتها، لكنها ولسبب ما لا تجرؤ على منح المريض ذلك اللقاح، إذ إن الورقة التي بين يديها ينقصها توقيع الطبيب المسؤول.
هذا بالضبط ما يعيشه كثير من المعلمين اليوم؛ ولأجل ذلك تماماً توقفنا في المقال السابق بإشارة صريحة إلى أن الشخص المنوط به تنفيذ الخطوات الثلاث المقترحة لن يكون المنهج ولا التقنية، بل المعلم نفسه، المعلم الذي ظل لسنوات خط الدفاع الأول والأخير دون أن يُلتفت إليه بقدر كافٍ.
لذا؛ فإن الإجابة عن "من سينفّذ" فقط لن تكون كافية من حيث المبدأ؛ فمعرفة الفاعل لا تعني بالضرورة أنه قادر فعلاً على الفعل؛ ولذلك فإن أدوات السؤال الأعمق والتي تستحق التوقف عندها الآن وفعلاً، هي: كيف وماذا؟ وليس من؟. كيف سيفعل، وماذا يحتاج ليفعل أو ينفذ، كيف سيتحول من قادر نظرياً إلى فاعل عملياً؟ وماذا سيلزمه للوصول إلى ذلك؟.
يكمن جزء من الإجابة عن السؤال في فجوة معرفية بسيطة لكنها حقيقية؛ إذ إن كثيراً من المعلمين، ومهما بلغت خبرتهم التربوية، لم يتلقوا يوماً تعريفاً واضحاً يشرح معنى وأهمية "التربية الإعلامية الرقمية" بوصفها مهارة مستقلة قائمة بذاتها، وربما ظن بعضهم أن غاية التحول الرقمي في التعليم تنتهي عند حدود تمكين الطالب من استخدام الجهاز اللوحي والتطبيقات الحديثة.
هذه الفجوة رغم واقعيتها، تُعالَج نسبياً بيسر عبر توعية بسيطة وموجزة، ولعلها لا تحتاج أكثر من ورقة إرشادية أو ورشة قصيرة لسد الفجوة المعرفية بحد ذاتها.
لكن الجزء الأعمق والأخطر من الإجابة، ليس له أي علاقة بالمعرفة على الإطلاق، بل بشيء يقترب أكثر من علم النفس المؤسسي: فحتى المعلم الذي يدرك أهمية هذا الملف تماماً، وربما قرأ عنه واقتنع به، قد يظل متردداً في المبادرة الفردية، لسبب منطقي وبسيط؛ فلماذا يدخل مغامرة تعليمية لم تُطلب منه رسمياً، ولماذا يلج باباً ليس فيه من المدرسة أو الوزارة قرار يستند إليه؟ وهذا بالضبط ما يُعرف في أدبيات التربية الحديثة بمفهوم "وكالة المعلم"، وهو حقل بحثي قائم بذاته، ويدرس قدرة المعلم على المبادرة الذاتية داخل صفه.
وقد أجمعت دراسات عديدة في هذا المجال، على أن الأنظمة التعليمية القائمة على المساءلة الصارمة، والمناهج الموحدة، تتحدى هذه القدرة باستمرار، وأن وجود سياق داعم من القيادة المدرسية، حتى ولو كان خفيفاً، سيكون العامل الحاسم في تحويل هذه الوكالة الكامنة إلى فعل حقيقي على أرض الواقع، لا مجرد رغبة شخصية ستظل حبيسة النية الحسنة.
من هنا، فإن الحل الحقيقي لا يكمن في تدريب مكثف، أو في حملة توعية ضخمة. ومع أنه لا ينفي أهمية ذلك وضرورته بطبيعة الحال، لكنه كخطوة أولى يكمن فيما يمكن أن نسمّيه "الجرعة المُجازة"؛ استمراراً لاستعارة "التطعيم الأول" التي بنينا عليها المقال السابق.
فكما هي حاجة اللقاح الحقيقي لطرفين حتى يكتمل أثره (جهاز مناعي مستعد لتقبله، وجهة تنظيمية تُجيز استخدامه)؛ فإن الخطوات العملية الثلاث التي اقترحناها سابقاً لن تتحول من إمكانية نظرية إلى ممارسة يومية دون اجتماع طرفين: المعلم الذي يبادر من تلقاء نفسه، والمدرسة التي تمنحه هذا الغطاء الذي يشعره بالانطلاق والحماية، غطاء يتجاوز أثره أحياناً القرارات البيروقراطية الثقيلة والبطيئة. وهذا بالضبط التوقيع الذي كانت تنتظره الممرضة عند الباب، سطر واحد يمنح الإذن، لا قرار وزاري ثقيل.
ولعل بعض التجارب الواقعية والموثقة أثبتت جدوى ونجاعة هذا المنهج بصورة عملية وبعيدة عن التنظير؛ ففي إحدى المقاطعات التعليمية الأمريكية، أطلقت إدارة المدارس برنامج منح داخلية صغيرة يتيح للمعلم تصميم أنشطته الصفية الخاصة بنفسه، وذلك بمجرد تقديم فكرة واضحة مبسطة تُعتمد من الإدارة بصورة سريعة وبعيدة عن التعقيدات الإجرائية. وقد كانت نتيجة ذلك لافتة جداً؛ إذ تقدم أكثر من ثمانين معلماً خلال جولة واحدة فقط بعدد من المبادرات الفعلية، علماً أن الإدارة لم تفرض عليهم أو تلزمهم بمنهج معين أو آلية بعينها، لكنها اكتفت بمنحهم الإذن والغطاء اللازمين لتحويل أفكارهم الكامنة إلى ممارسات فعلية.
ليس هذا مجرد مثال، وإنما ممارسة عملية تؤكد أن ما ينقص المعلم في الغالب ليس الحافز الشخصي ولا حتى الفكرة بحد ذاتها، وإنما تلك الشرعية المؤسسية الصغيرة التي تكفي لإزالة تردد "لماذا أغامر بما لم يطلبه مني أحد؟".
ولعل تطبيق هذا المنطق لا يحتاج تعقيدًا إدارياً يُذكر؛ فهو لا يتطلب أكثر من سطر تشجيعي واحد، قد يكون ضمن رسالة بريد إلكتروني بسيطة، أو قرار سريع يتلى خلال أي اجتماع دوري، لكنه سيمنح المعلم كامل الغطاء الذي يحتاجه، وهو غطاء لا يقاس بالحجم، بل بوجوده من حيث المبدأ. وسيكون بإمكان أي معلم مقتنع بجدوى "الدقيقة النقدية" التي اقترحناها في المقال السابق أن يعرض نيته ببساطة على إدارة المدرسة، ضمن إجراء مبسط يتيح له تجربة محدودة لفصل دراسي واحد فقط.
وهكذا، وبعد أن يُمنح المعلم هذا الإذن والغطاء البسيط ليبدأ "دقيقته النقدية" الأسبوعية، يبقى سؤال عملي أخير حول ما الذي سيفعله بالضبط خلال هذه الدقائق الخمس تحديداً؟ وهذا ما سيتناوله المقال القادم من هذه السلسلة، عندما سننتقل من الإجابة عن سؤال "من يملك الإذن؟" إلى سؤال أكثر تفصيلاً وعملية: كيف تُصمَّم اللحظة الصفية نفسها بحيث تترك أثراً حقيقياً، وفي خمس دقائق فقط؟
عبد اللطيف نجم
باحث ومتخصص في الإعلام الرقمي والاتصال الاستراتيجي. أعمل على دراسة التحولات الرقمية وتأثيرها على المشهد الإعلامي.
المزيد عن الكاتب ←