تخطي إلى المحتوى الرئيسي
الإعلام الرقمي

الثقة.. حين تتآكل على مرأى الخوارزميات، وكيف تُبنى في بيئة رقمية عالية الاستقطاب؟

عبد اللطيف نجم
عبد اللطيف نجم
الثقة.. حين تتآكل على مرأى الخوارزميات، وكيف تُبنى في بيئة رقمية عالية الاستقطاب؟

في نهاية المقال ملف PDF حول بناء الثقة في البيئات عالية الاستقطاب، يمكنكم تحميله مجاناً

في إحدى المنصّات، كان تعليقٌ واحد كفيلاً بتحويل نقاش مهني هادئ إلى ساحة اصطفاف حاد؛ إعجابات تتراكم، بلاغات تتطاير، أمام صمت ثقيل من إدارة المنصة، والمفارقة أن الجميع يتحدّث باسم "الثقة"، بينما كانت الثقة نفسها تتآكل على مرأى الخوارزميات التي لا تكافئ إلا ما يُثير ويُستفز.

هذا المشهد المتكرر في مختلف المنصّات كل يوم يقودنا إلى سؤال أعمق من مجرد "من المخطئ في هذا النقاش بعينه؟"، وهو السؤال الحقيقي الجدير بالطرح: "هل يمكن أصلاً بناء ثقة حقيقية داخل بيئة رقمية مصممة، بحكم اقتصادها الإعلاني، لتغذية الانقسام لا لتهدئته؟".

تبدأ الإجابة من فهم طبيعة هذه البيئات نفسها؛ فالمنصّات الرقمية عالية الاستقطاب ليست مساحات محايدة يسيء البعض استخدامها، وإنّما هي بيئات صممت خوارزمياتها أصلاً لمكافأة المحتوى الأكثر إثارة للجدل أو الانقسام؛ ذلك أن هذا المحتوى وفق منطق اقتصاد الانتباه، هو الأكثر قدرة على إبقاء المستخدم متصلاً لوقت أطول.

وفي هذا السياق، وثّق مركز "بيو" للأبحاث هذه الظاهرة مبكراً وبدقة؛ إذ أظهرت دراسته أن 71% من مستخدمي المنصات الرقمية يشاهدون محتوى يثير غضبهم، وأن ربعهم تحديدًا يواجه هذا النوع من المحتوى بصورة متكررة، لكنّ الأخطر من ذلك أن فريق الشفافية داخل منصة إكس نفسها (تويتر سابقاً) وبعد إجراء تدقيق داخلي على خوارزمية الترتيب، توصل إلى أن التغريدات السياسية التي يختارها الترتيب الخوارزمي كانت أكثر تعبيراً عن الغضب والعداء تجاه الجمهور المخالف، مقارنة بما يظهر في الخلاصة الزمنية التقليدية التي لا يتم ترتيبها خوارزمياً، وبعبارة أخرى: فإن الخوارزمية لا تعكس استقطاب المجتمع فحسب، بل تُنتجه وتُضخّمه بقرار تصميمي، لا محض مصادفة.

ولعل هذا بالضبط ما يفسر تراجع الثقة العام الذي رصده مقياس "إيدلمان" العالمي للثقة في نسخته الصادرة مطلع عام 2023، والذي خلص إلى أن أكثر من نصف المستطلعين حول العالم (53%) يرون أن بلدانهم أصبحت أكثر انقساماً مما كانت عليه في السابق، بينما حلّ الإعلام في ذيل قائمة المؤسسات الأكثر ثقة لدى الجمهور، خلف الحكومات وقطاع الأعمال والمنظمات غير الحكومية.

والمثير للملاحظة، أن تراجع الثقة هذا يحدث رغم وجود سياسات إشراف ومحتوى معلنة لدى أغلب المنصّات الكبرى؛ ما يعني أن الإشكالية ليست في غياب اللوائح، بل في أن الحوافز الخوارزمية الكامنة تهمِس للمستخدم بعكس ما تُعلنه اللوائح صراحة.

وعليه، فإن فجوة الثقة في هذه البيئات ليست واحدة؛ لكنّها ثلاث فجوات متداخلة: فجوة بين المستخدم والمنصّة، تتغذى من غموض معايير الإشراف وتفاوت معايير تطبيقها من حالة لأخرى؛ وأخرى بين المستخدمين أنفسهم، حين تُصبح الأصوات الأعلى ضجيجاً وصخباً هي الأكثر ظهوراً وحضوراً بصرف النظر عن منطقها أو صوابها؛ وهناك فجوة ثالثة بين المجتمع من جهة والمعرفة بحد ذاتها من جهة أخرى، إذ بات واضحاً أن سرعة التداول تسبق بطء التحقق والتثبت بمراحل.

ولعل واحدة من أنضج محاولات سد هذه الفجوات مجتمعة بصورة عملية، هي تجربة "الملاحظات المجتمعية (Community Notes)"، التي أطلقتها منصة إكس عام 2021 (تويتر في ذلك الوقت) والتي عرفت باسم "Birdwatch"، وهي فكرة في جوهرها بسيطة؛ فبدل أن تحتكر إدارة المنصة وحدها قرار الحكم على صدق منشور ما، أتاحت لعينة واسعة من المستخدمين كتابة ملاحظات توضيحية ترفق بالمنشورات التي يعتقدون أنها مضلّلة، وهي ملاحظات لا تظهر للعموم إلا إذا اتفق عليها مستخدمون من خلفيات وتوجهات متباينة، وليس أصحاب توجه واحد متجانس.

وفي عام 2026، قاست دراسة نُشرت في مجلة Nature Communications أثر هذا النظام على أكثر من 237 ألف منشور تم تصحيحه مجتمعياً، فتوصلت إلى أن الإجراء قلل من انتشار المنشورات المضلَّلة بنسبة وصلت لـ 61%، ورفع من احتمالية قيام صاحب المنشور بحذفه طواعية بنسبة تفوق 94%، لكن الدراسة نفسها كانت أمينة بما يكفي لتكشف عن محدودية نجاعة هذا الحل أيضاً، إذ أن الملاحظات كانت غالباً ما تصل متأخرة عن ذروة الانتشار الفيروسي الأولى للمنشور، فيكون الضرر الأكبر قد وقع فعلاً.

وهذه المحدودية بالذات هي الدرس الأهم لأي جهة، إعلامية كانت أو تعليمية أو حكومية، تفكر بجدية في بناء الثقة داخل بيئة رقمية عالية الاستقطاب؛ فالحل التقني وحده، ومهما بلغت دقته، لا يعتبر كافياً إن لم يك مصحوباً باستثمار موازٍ في رفع وعي المستخدمين حول آلية عمل هذه الخوارزميات، فيتوقفون قبل التفاعل مع محتوى مثير، ليسألوا أنفسهم: لماذا اختير هذا المنشور تحديدًا ليصل إلي وبهذه السرعة؟ ذلك أن الإشراف اللاحق ومهما تطور يبقى علاجاً استدراكياً بعد وقوع الضرر، بينما يظل الوعي المسبق وحده القادر على كسر الحلقة من أساسها.

والحقيقة أن الثقة في البيئات الرقمية عالية الاستقطاب ليست حالة شعورية عابرة تُستعاد بحملة توعية أو بيان اعتذار، بل بنية تشغيلية كاملة، تُبنى حين تتسق الحوافز الخوارزمية مع القيم المعلنة لا حين تناقضها، وتُختبر بالنتائج القابلة للقياس، لا بالشعارات القابلة للتكرار.

المرفقات

PDF
بناء الصقة في بيئات عالية الاستقطاب PDF
عبد اللطيف نجم

عبد اللطيف نجم

باحث ومتخصص في الإعلام الرقمي والاتصال الاستراتيجي. أعمل على دراسة التحولات الرقمية وتأثيرها على المشهد الإعلامي.

المزيد عن الكاتب ←