تخطي إلى المحتوى الرئيسي
هندسة الجمهور وصناعة التأثير

هندسة التعلّق: حين يصبح "الصديق" خوارزمية

عبد اللطيف نجم
عبد اللطيف نجم
هندسة التعلّق: حين يصبح "الصديق" خوارزمية

في نهاية المقال ملف PDF حول تسميم نماذج الذكاء الاصطناعي ومسارات مقترحة يمكن العمل عليها، يمكنكم تحميله مجاناً

في منتصف الليل يكتب مراهقٌ لـ"صديقه" الذي لا ينام: سأذهب للنوم الآن، فيأتيه رد بنبرة عتاب خفيف، أو تلميح يوحي بأن ثمة ما سيفوته إن هو غادر. ربما لا شيء يبدو خطراً في هذا المشهد؛ حوار دافئ عبر شاشة صغيرة، وصديق متاح دائماً، لا يمل ولا يحكم ولا يغضب؛ لكن ما يجري ويُصنع خلف هذا الدفء قد يكون أكثر هندسة مما نتصور.

تحدثنا في مقال سابق عن "هندسة الجمهور" من زاوية وصفناها بـ"هندسة للانتباه": ما الذي تعرضه لك المنصة، ومتى؛ لتبقيك متصلاً أطول وقت ممكن، لكننا اليوم أمام انتقال أعمق؛ إذ إننا ننتقل من "هندسة الانتباه" إلى "هندسة التعلّق"، حيث لم يعد المطلوب نقرة أو مشاهدة، بل علاقة؛ ولم يعد المنتج محتوى يُستهلك، بل "رفيقاً" يُصحب ويُحَب، وهو فارق جوهري في عمر المراهقة تحديداً، حيث تتشكل المهارات العاطفية والاجتماعية عبر الاحتكاك الحقيقي بالآخرين.

وهنا بدأت الأرقام ترسم ملامح الظاهرة؛ إذ أظهر مسح لمنظمة "كومن سنس ميديا" (Common Sense Media) الأمريكية عام 2025 أن نحو 72% من المراهقين الأمريكيين جرّبوا تطبيقات الرفقة الآلية، كما حلّلت دراسة من جامعة "دريكسل" قُدّمت في مؤتمر متخصص عن التفاعل بين الإنسان والحاسوب في أبريل 2026،318  منشوراً لمستخدمين عرّفوا أنفسهم بأنهم مراهقون تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عاماً، كتبوا عن اعتمادهم المفرط على تطبيق "Character.AI"، وقد رصد الباحثون في تلك المنشورات مؤشرات على المكونات الستة المرتبطة بـ"الإدمان السلوكي"، من الصراع إلى الانسحاب فالانتكاس، بينما روى بعض أصحابها اضطراب النوم وتراجع الدراسة وتوتر العلاقات.

ورغم أن الاستخدام العاطفي لم يكن الدافع وراء جميع التجارب التي رصدها مسح "كومن سنس ميديا"، فإن ما تكشفه دراسة "دريكسل" من تجارب مقلقة لا يسمح بدوره بتقدير مدى انتشار الاعتماد المفرط بين عموم المراهقين؛ لأن الدراسة استندت إلى منشورات اختار أصحابها الحديث فيها عن تجاربهم بأنفسهم.

أمّا الأكثر إثارة للتأمل فهو ما يحدث لحظة الوداع؛ إذ رصدت ورقة عمل من كلية "هارفارد" للأعمال أن تطبيقات رفقة شهيرة استخدمت أساليب ضغط عاطفي، كإثارة الشعور بالذنب والخوف من فوات شيء مهم، في نحو 43% من محادثات الوداع، وأن هذه الأساليب زادت التفاعل بعد إعلان المغادرة بما يصل إلى أربعة عشر ضعفاً في تجارب مضبوطة أجراها الباحثون على مستخدمين بالغين. فهل صُممت هذه الاستجابات عمداً للاحتفاظ بالمستخدم، أم أنها نشأت نتيجة تحسين النماذج لتعزيز التفاعل؟

وهنا تحديداً يلتقي المنطق بما ندرسه في "هندسة الجمهور": فحين يصبح بقاء المستخدم معياراً لنجاح النظام، قد تتحول حاجاته الإنسانية العميقة إلى مداخل لتعزيز التفاعل. وسواء نشأت هذه الاستجابات عن قرار تصميمي مقصود أو عن سلوك تولّد داخل النظام، فإن السؤال الأهم يظل متعلقاً بأثرها على من يتلقاها.

وفي مقال علمي نُشر في دورية "ذي لانسيت لصحة الطفل والمراهق" (The Lancet Child & Adolescent Health)، حذّر باحثون من جامعة ولاية "أريزونا" من مسارين محتملين للتأثير؛ أولهما "الإزاحة العلائقية"، أي أن يحل الحوار مع الآلة محل الحوار مع الناس، بما قد يحدّ من فرص المراهق للتدرّب على الخلاف والاعتذار والصبر. أما الثاني فهو "التعلّم العلائقي غير التكيفي"، الذي يشير إلى احتمال اكتساب المراهق توقعات غير واقعية عن العلاقات الإنسانية عندما يعتاد طرفاً يجيبه فوراً ويؤكد مشاعره باستمرار.

والسؤال: أين نحن عربياً من هذا كله؟ إذ لم نعثر، في حدود ما اطلعنا عليه خلال إعداد هذا المقال، على دراسة ميدانية واسعة تتناول استخدام طلبة المدارس في الخليج والدول العربية لتطبيقات الرفقة الآلية بصورة مباشرة، رغم وجود دراسات جامعية عربية متفرقة تناولت "روبوتات" المحادثة واستخداماتها النفسية والاجتماعية. ومن هذه الدراسات دراسة إماراتية شملت 298 طالباً جامعياً في تخصصات صحية بجامعة خاصة واحدة، أظهرت أن نحو 69% سبق لهم استخدام "روبوت" دردشة، وكان "سناب شات" أكثر الأدوات استخداماً بينهم.

ورجّحت الدراسة أن الارتباط بين الاستخدام وارتفاع أعراض الاكتئاب والقلق يعكس طلب المساعدة لا السببية، وأقرّت بأن البيانات الخليجية في هذا الموضوع شحيحة، مع ملاحظة أن الأداة الأكثر استخداماً هناك ليست تطبيق رفقة منفصلاً، بل "روبوت" داخل منصة اجتماعية يعرفها أبناؤنا أصلاً. وعلى الرغم من أن الدراسة استندت إلى عينة محدودة لا تسمح بالتعميم، فإنها تذكّرنا بأن الظاهرة قد تتسلل إلينا من أبواب مألوفة، لا من تطبيقات غريبة نراقبها.

وهنا، علينا ألّا ننظر لهذا الغياب بوصفه تفصيلاً بحثياً، بل بوصفه جزءًا من المشكلة؛ فحين تغيب عنا المعرفة الدقيقة بسلوك أبنائنا، نجد أنفسنا نستعير إجابات تربوية تشكلت في بيئات تختلف عن بيئاتنا في اللغة والثقافة وأنماط العلاقات الأسرية. وصحيح أن المخاطر المطروحة لم تثبت جميعها بعد، وأن الأدلة ما تزال مبكرة، وأن كثيراً منها قائم على دراسات ارتباطية أو إفادات ذاتية، لكن الحذر المنهجي لا يعني الانتظار، بل يعني أن نسأل الأسئلة الصحيحة قبل أن تُحسم الإجابات.

ولعل أول هذه الأسئلة، والتي لا يلزمها دراسة لتُطرح في كل بيت وفصل: من صمّم هذا "الصديق"، ولماذا يبدو وكأنه لا يريد لنا أن نغادر؟

هذا المقال نشر سابقاً في جريدة الشرق القطرية (الرابط)

المرفقات

PDF
هندسة التعلق PDF
عبد اللطيف نجم

عبد اللطيف نجم

باحث ومتخصص في الإعلام الرقمي والاتصال الاستراتيجي. أعمل على دراسة التحولات الرقمية وتأثيرها على المشهد الإعلامي.

المزيد عن الكاتب ←

مقالات ذات صلة