تخطي إلى المحتوى الرئيسي
التربية الإعلامية والوعي الرقمي

ناقوس خطر لوزارات التربية والتعليم: الخوارزميات تعرف أبناءنا.. فماذا يعرفون عنها؟

عبد اللطيف نجم
عبد اللطيف نجم
ناقوس خطر لوزارات التربية والتعليم: الخوارزميات تعرف أبناءنا.. فماذا يعرفون عنها؟

في نهاية المقال ملف PDF حول تسميم نماذج الذكاء الاصطناعي ومسارات مقترحة يمكن العمل عليها، يمكنكم تحميله مجاناً

قد يقضي طالبٌ سنوات طويلة في المدرسة يتعلّم خلالها كيف يحلّ المعادلات، ويحلّل النصوص، ويميّز بين الحقائق والآراء، ثم يعود إلى منزله ليقضي ساعات أمام أنظمة رقمية تجمع بيانات عن اهتماماته، وتحلّل أنماط سلوكه، وتتنبأ بما قد يجذبه، وتختار له ما يشاهده، وربما تحاوره في أكثر شؤونه خصوصية.

والمفارقة أن هذا الطالب، الذي تعرف عنه تلك الأنظمة الكثير، قد لا يعرف إلا القليل عن الكيفية التي تعمل بها، أو المصالح التي تحكم تصميمها، أو آليات التأثير التي يمكن أن تمارسها عليه؛ وهنا تحديداً يبرز سؤال يتجاوز الأسرة إلى المؤسسات التعليمية: من المسؤول عن تعليم أبنائنا فهم العالم الرقمي الذي يتعلم بدوره كيف يفهمهم؟

لم تعد المسألة تتعلق بقدرة الطفل على استخدام الهاتف أو إتقان التطبيقات، فهذه مهارات يكتسبها كثير من الأبناء قبل أن نبدأ بتعليمهم إياها، بل تتعلق بفجوة أكثر تعقيداً بين القدرة على استخدام التكنولوجيا والقدرة على فهمها ونقدها؛ فقد يعرف الطالب كيف يستخدم تطبيقاً للذكاء الاصطناعي لإنجاز واجباته، لكنه قد لا يعرف لماذا يمكن أن يقدم له إجابة واثقة وهي خاطئة، أو كيف تُبنى التوصيات التي تظهر له على المنصات، أو لماذا تختلف المعلومات المعروضة عليه عما يظهر لصديقه. والأخطر أن يعتاد التعامل مع هذه الأنظمة بوصفها مصادر محايدة للمعرفة، بينما تعمل وفق نماذج وبيانات وخيارات تصميمية ومصالح تجارية قد تؤثر في مخرجاتها.

ولكي ندرك حجم التحوّل، يكفي أن ننظر إلى كيفية دخول الذكاء الاصطناعي حياة الطلاب؛ ففي دراسة نشرها مركز "بيو للأبحاث" (Pew Research Center) في فبراير 2026، أفاد 54% من المراهقين الأمريكيين الذين شملهم الاستطلاع بأنهم استخدموا روبوتات المحادثة للمساعدة في أعمالهم المدرسية، فيما استخدمها 57% للبحث عن المعلومات. وهذه الأرقام، وإن كانت تخص المجتمع الأمريكي ولا ينبغي تعميمها على مجتمعاتنا، فإنها تكشف أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تقنية مستقبلية تستعد المدارس لاستقبالها، بل أصبح أداة حاضرة في حياة قطاع واسع من الطلاب.

والسؤال الذي تطرحه هذه الحقيقة ليس ما إذا كان ينبغي السماح لهم باستخدامه، وإنّما ما إذا كانت منظوماتنا التعليمية تزوّدهم بالمعرفة النقدية التي تمكّنهم من استخدامه دون أن يصبحوا معتمدين على أحكامه بصورة غير واعية.

وهنا نصل إلى ما أراه جوهر المشكلة؛ فالتحدي التربوي لم يعد مقتصراً على تعليم الطالب كيف يتحقق من صحة المعلومات التي تصله، بل امتد إلى فهم الآليات التي تحدد ما يصل إليه أصلاً، وكيف يُرتّب ويُقدّم، ولماذا تُفضَّل أمامه خيارات دون غيرها؛ ففي عالم تحكمه الخوارزميات وأنظمة التوصية والذكاء الاصطناعي، لا يتشكل وعي الإنسان من المعلومات التي يختار الاطلاع عليها وحدها، بل يتأثر كذلك بالبيئة المعلوماتية التي تُبنى حوله.

ومن منظور "هندسة الجمهور"، فإن ما يستحق اهتمامنا تربوياً ليس المحتوى النهائي فحسب، وإنما المنظومة التي تسهم في تشكيل اختيارات المستخدم وتفضيلاته وأنماط تفاعله، وهذا تحديداً ما يجعل من الضروري ألّا نختزل التربية الإعلامية الرقمية في مهارات التحقق من الأخبار المضللة، بل أن نوسّع تطبيقاتها التعليمية لتشمل فهم أنظمة التأثير الخوارزمي والذكاء الاصطناعي.

ولعل المفارقة الأكثر إثارة للقلق أننا قد ننشغل بتعليم أبنائنا كيفية الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في الدراسة والعمل، قبل أن نعلّمهم كيف يسائلونه. وقد نحتفي بقدرتهم على كتابة الأوامر للنماذج الذكية، بينما لا نمنحهم الأدوات الكافية لفهم حدود إجاباتها أو تحيزاتها المحتملة، بل قد نعلّمهم كيف ينتجون المحتوى باستخدام هذه الأدوات، دون أن ندرّبهم على إدراك كيف يمكن للمحتوى المخصّص أن يؤثر في تصوراتهم وسلوكهم.

وهنا ينبغي التمييز بين تعليم استخدام الذكاء الاصطناعي والتربية الإعلامية الرقمية في عصر الذكاء الاصطناعي؛ فالأول يطوّر مهارة التعامل مع الأداة، أما الثانية فتضيف القدرة على فهم بيئة عملها ومصادر تأثيرها وتقييم مخرجاتها واتخاذ موقف نقدي منها.

وليس هذا التحذير دعوة فردية معزولة عن التحولات التربوية الدولية؛ فقد أصدرت منظمة "اليونسكو" عام 2024 إطاراً لكفاءات الذكاء الاصطناعي لدى الطلاب، يتضمن اثنتي عشرة كفاءة موزعة على أربعة أبعاد، تشمل التفكير المتمحور حول الإنسان، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وتقنياته وتطبيقاته، وتصميم أنظمته، كما وضعت إطاراً آخر للمعلمين يتضمن خمس عشرة كفاءة.

وفي يونيو 2026، أصدرت "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية" و"المفوضية الأوروبية" إطاراً مشتركاً لمحو أمية الذكاء الاصطناعي في التعليم الابتدائي والثانوي، يهدف إلى تمكين المتعلمين من فهم هذه الأنظمة وتقييم مخرجاتها واستخدامها بصورة نقدية وأخلاقية. وهذه التطورات تشير إلى أن القضية لم تعد مجرد توصيات توعوية، بل أصبحت موضوعاً لتصميم الكفاءات والمناهج والسياسات التعليمية.

لكن التطور الذي يستحق أن تتوقف عنده وزارات التربية والتعليم بصورة خاصة هو استعداد البرنامج الدولي لتقييم الطلبة "بيزا" (PISA) لإدراج مجال مبتكر في دورة 2029، يُعنى بالتربية الإعلامية ومحو أمية الذكاء الاصطناعي، تحت مسمى "الدراية الإعلامية والدراية بالذكاء الاصطناعي" (Media and Artificial Intelligence Literacy). ويهدف هذا التوجه، الذي ما يزال إطاره في طور التطوير، إلى تقييم قدرة الطلاب على التعامل النقدي والأخلاقي والمسؤول مع المحتوى الرقمي والمنصات وأنظمة الذكاء الاصطناعي، من خلال أدوات تتضمن محاكاة لبيئات رقمية واقعية.

وما يهمنا هنا ليس التقييم الدولي في حد ذاته، بل ما يكشفه من تحول في النظر إلى هذه الكفاءات؛ إذ تتسع مجالات التقييم الدولي لتشمل قدرة الطالب على فهم البيئة الرقمية التي يتلقى عبرها المعلومات ويتفاعل معها، وإدراك آليات التأثير التي يمكن أن تمارسها عليه.

والسؤال: أين تقف منظوماتنا التعليمية العربية من هذه التحولات؟ ومن الإنصاف الإقرار بأن بعض الدول بدأت بالفعل تطوير مبادرات وأطر تعليمية في الذكاء الاصطناعي والمواطنة الرقمية؛ ففي دولة قطر، أطلقت وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي في يونيو 2026 مقررات تفاعلية للتعلم الذاتي في المواطنة الرقمية، عبر نظام قطر للتعليم، استهدفت طلبة الصفين الخامس الابتدائي والثامن الإعدادي، وتناولت الخصوصية الرقمية والأمن السيبراني والاستخدام الآمن والمسؤول للتكنولوجيا. كما تضمنت تحديثات المناهج للعام الأكاديمي 2026–2027 برنامجاً للثقافة المعلوماتية، يُعنى بتنمية مهارات البحث عن المعلومات وتقييمها، إلى جانب توجه الوزارة لطرح مواد تعلم ذاتي في الذكاء الاصطناعي لطلبة المرحلة الثانوية. وعلى المستوى الخليجي أيضاً، طوّرت دولة الإمارات إطاراً وطنياً لتعليم الذكاء الاصطناعي من رياض الأطفال حتى الصف الثاني عشر، يشمل البيانات والخوارزميات والأخلاقيات والتطبيقات.

صحيح أنّها خطوات تستحق الاهتمام والتقدير، لكن وجود هذه المبادرات والأطر، مهما بلغت أهميتها، يطرح سؤالاً آخر لا يقل ضرورة: كيف نضمن انتقال هذه التوجهات من الوثائق والخطط إلى كفاءات حقيقية يمتلكها الطلاب؟ وهل تواكب التربية الإعلامية الرقمية في مناهجنا تطور أنظمة التأثير الخوارزمي والذكاء الاصطناعي التفاعلي، أم أن حضور التكنولوجيا يتقدم أحياناً على حضور الفهم النقدي لها؟

وهنا تحديداً أعتقد أن وزارات التربية والتعليم مدعوة إلى التعامل مع التربية الإعلامية الرقمية بوصفها قضية استراتيجية في بناء الإنسان، لا مجرد نشاط توعوي أو وحدة دراسية عابرة؛ فالمطلوب ليس بالضرورة إضافة مادة جديدة إلى الجدول المدرسي، وإنما تطوير إطار وطني متكامل لكفايات التربية الإعلامية الرقمية والوعي الخوارزمي والذكاء الاصطناعي، تتدرج أهدافه بحسب المراحل العمرية، وترتبط بمخرجات تعلّم قابلة للتقييم.

وهو إطار من شأنه أن يجعل الطالب في مراحله الأولى يفهم معنى البيانات والخصوصية والتوصية الرقمية، ثم ينتقل في المراحل اللاحقة إلى تحليل التحيزات، ونماذج التأثير والإقناع، واقتصاد الانتباه، وحدود الثقة في الأنظمة الذكية، وصولاً إلى القدرة على اتخاذ قرارات واعية بشأن استخدامها.

وهذا التحول لا يتحقق بالمناهج وحدها، بل يحتاج إلى إعادة النظر في تأهيل المعلمين أنفسهم؛ إذ كيف يمكن لمعلّم لم يتلقَّ تدريباً كافياً على فهم الخوارزميات وآليات التأثير الرقمي أن يعلّم طلابه التعامل النقدي معها؟ وكيف نقيس نجاح التربية الإعلامية إذا اكتفينا باختبارات تقيس حفظ المفاهيم، دون أن نضع الطالب أمام مواقف رقمية حقيقية يطبّق فيها ما تعلمه؟

يمكن، مثلاً، أن يُطلب من الطلاب مقارنة توصيات منصتين، وتحليل أسباب اختلافها، أو اختبار إجابات نظام ذكاء اصطناعي عن موضوع واحد بصياغات متعددة، أو اكتشاف أساليب التأثير في رسائل رقمية مصممة لاستثارة مشاعر معينة؛ فالتربية الإعلامية الرقمية لا ينبغي أن تُدرَّس بوصفها معلومات عن التكنولوجيا، بل مهارات تُمارَس داخل بيئتها.

ولعل الخطوة التي ينبغي أن تسبق أي خطة واسعة هي أن تعرف المؤسسات التعليمية أين يقف طلابها أصلاً؛ فبدون دراسات ميدانية وطنية تقيس أنماط استخدامهم للأنظمة الذكية ومستويات فهمهم لها، سنظل نخطط بناءً على افتراضات أو نستعير المؤشرات من مجتمعات أخرى.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى قياس مستويات الوعي الخوارزمي، وتحديد الفجوات بحسب الفئات العمرية، ثم بناء برامج تدريبية ومناهج وأدوات تقييم تستجيب لهذه النتائج. ولا ينبغي أن تتحمل المدرسة وحدها المسؤولية؛ فحماية حقوق الأطفال وسلامتهم الرقمية تستدعي كذلك مسؤوليات واضحة على الشركات المطوّرة والجهات التنظيمية والأسر، وهو ما أكدت عليه "اليونيسف" في موجزها السياساتي الصادر في يونيو 2026 بشأن مخاطر روبوتات المحادثة والرفقة الاصطناعية على الأطفال.

إن ناقوس الخطر الذي ينبغي أن تسمعه وزارات التربية والتعليم اليوم ليس دعوة إلى الخوف من التكنولوجيا أو إبعاد الأبناء عنها؛ فالذكاء الاصطناعي يحمل فرصاً تعليمية ومعرفية كبيرة لا يجوز تجاهلها، لكن تمكين الطلاب من استخدام هذه الفرص لا ينفصل عن تمكينهم من فهم حدودها ومخاطرها وآليات التأثير الكامنة فيها؛ فالمسألة، في جوهرها، تتعلق بحق جيل كامل في أن يفهم البيئة التي يتشكل داخلها وعيه، وأن يحتفظ بقدرته على التفكير المستقل واتخاذ القرار، بدل أن يكتفي بالتكيف مع ما تقترحه عليه الأنظمة الذكية.

ولعل السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم على كل طاولة يُتخذ حولها قرار تربوي ليس: كيف نُدخل المزيد من الذكاء الاصطناعي إلى مدارسنا؟ بل: كيف نضمن أن أبناءنا، وهم يتعلمون استخدام هذه الأنظمة، يتعلمون أيضاً كيف يفهمونها ويسائلونها؟ فالمشكلة ليست أن الخوارزميات باتت تعرف الكثير عن أبنائنا، وإنّما أن نترك أبناءنا يكبرون دون أن يعرفوا بالقدر الكافي كيف تعمل هذه الخوارزميات، ولماذا تعرف عنهم كل ذلك.

هذا المقال نشر سابقاً في جريدة الشرق القطرية (الرابط)

المرفقات

PDF
ناقوس خطر لوزارات التربية والتعليم PDF
عبد اللطيف نجم

عبد اللطيف نجم

باحث ومتخصص في الإعلام الرقمي والاتصال الاستراتيجي. أعمل على دراسة التحولات الرقمية وتأثيرها على المشهد الإعلامي.

المزيد عن الكاتب ←